عن مفهوم الشر والقدر والعدل والتمحيص
سألتني ابنتي الصغرى -حفظها الله وبارك فيها وأصلحها وأختيها وكل أبناء المسلمين- وهي تتابع الأحداث في عزة، متألمة مما يحصل للأطفال: أعلم أن الله سبحانه يختار عباده للابتلاءات، وأعلم أن هذه الحرب، وكل ابتلاء عداها، تمحيص وامتحان للمكلفين، لكن ماذا عن الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم؟ لماذا تلحق بهم المصائب؟ ولماذا الحيوانات أيضا تتعرض للموت وللجرح بالقصف، وغير ذلك قد تولد بعاهات، أو قد تتعرض للظلم سواء من بني البشر أو من مثيلاتها، مع أنها غير مكلفة حتى يقال أنها تمحص؟ فقلت لها: أول شيء، لا بد من تفويض الأمر لله في فعله كله، وأن نوقن أن فعله كله عن علم وحكمة، وبأنه لا يسأل عما يفعل وعباده يسألون، وبأنه حرم على نفسه الظلم، فلا يساور العبد شك في عدله سبحانه، فتسول له نفسه أن هذه المصائب التي تلحق بغير المكلفين ظلم في حقهم، وأن الأشياء التي تشكل علينا والتي قد ننكرها؛ إنما سببها عدم علمنا بها؛ لا التقصير من المولى سبحانه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. أما عن ابتلاء الأطفال؛ فالطفل إن مات أو تأذى؛ أكرمه الله بمقام عظيم في الجنة، فكان ذاك الأذى مكسبا في حقه، ولعل ابتلاءهم= ابتلاء لوالديهم ولذويهم قبل كل شيء، وتمحيص لمن يصبر ويرضى، ومن يجزع ويكفر، وامتحان لهم في شكر النعمة إذا ما قارنوا المصاب بباقي إخوته السالمين مثلا. أما عن الحيوانات فلا تخرج عن قانون الحياة، وقانون التدافع والصراع لأجل البقاء، ولا تخرج عن إرادة الله التي اقتضت أن تؤكد لنا أن الكمال لله وحده، وأن الإرادة والمشيئة لله وحده، وأن القادر سبحانه أن يخلق الكمال في مخلوق؛ قادر على خلق النقص في غيره. ثم إن هذا الحيوان المريض أو العاجز بسبب إصابة أو بسبب عاهة خلقية أو طارئة؛ قد يكون سببا في رحمة يتحرك بها فؤاد المكلف، وخير يناله من يحسن إليه من الآدميين، ألم تسمعي عن البغي التي دخلت الجنة في كلب سقته؟ أو سقوط في معصية بعدم رحمته. أو قد يكون سببا في سد رمق لحيوان جائع، وإسهاما بذلك في التوازن البيئي. أو قد يكون سببا في امتحان مالكه إن كان مملوكا، هل يصبر على إصابته ويرحمه ويحسن إليه، أم أنه سيهمله أو سيرفض مشيئة الله أن يبتليه بذلك. كما أننا إن فهمنا أن الدنيا ليست غاية، وأن النظرة القرآنية والنظرية القائمة على فكرة الابتلاء تحل مشكلة الشر، جعلنا ذلك نوقن بقانون العدالة الإلهية العام الذي لا يتخلف عن كل مخلوقاته. بل من عدله سبحانه أن جعل القصاص يوم القيامة حتى للحيوانات، يقتص بعضها من بعض. الرب رب يا ابنتي، يفعل في ملكه ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل، بل من صفاته سبحانه الضار القهار المميت، ولا يمكن فهم صفة النفع إلا في مقابلتها بصفة الضر، ولا يمكن فهم صفة الإحياء إلا في مقابلتها بصفة الإماتة، ولا يمكن فهم صفة الرحمة في معزل عن فهم كل هاته الصفات وغيرها. والله سبحانه عادل محسن لم يصف نفسه بالظلم لأن الظالم يتصرف في شيء لا يملكه، ولله ملك السموات والأرض. إذا فهمنا كل هذا وأيقنا به؛ تقرر عندنا أننا لا نملك من أمرنا شيئا، وبأننا عبيد لله يفعل فينا ما يشاء، وبأن حكمه ماض فينا، فهمنا الحكمة منه أم لم نفهم، وبأن الظلم منتف في حقه سبحانه. #وصال_تقة