“Sois belle et tais- toi !”
“كوني جميلة واصمتي!”
عبارة فرنسية الأصل، لكنها تحولت إلى رمز ثقافي عالمي لاختزال المرأة في مظهرها، والتعامل مع حضورها الفكري على أنه ينتقص من أنوثتها. وقد وجدت هذه الفكرة صدى في ثقافات كثيرة، حتى غدت تردد بلغات متعددة، وما كان لها لتنتشر إلا لأنها لامست تصورا حاضرا يرى أن المرأة كلما تكلمت بعلم، أو ناقشت بفكر، أو حضرت بجدية، ابتعدت عن الصورة المثالية للأنثى. ومن هنا نشأ الزعم بأن فقدان الأنوثة يتناسب طرديا مع العلم والتعلم، وهي دعوى لا تصمد أمام الشرع، ولا أمام العقل، ولا أمام الواقع.
ولعل الخلل في هذا الزعم يكمن، من جهة، في التصور الضيق للأنوثة التي تنحصر عندهم في اللين والرقة فقط، ومن جهة أخرى، في الفهم المجتزأ لطبيعة العلم، ومن جهة ثالثة، في الاعتماد على افتراضات لا تستند إلى الدليل الشرعي، ولا إلى الدليل العقلي.
ذكرت تعريفا موسعا للأنوثة في كتابي “قضايا نسائية”، وأيضا في كتب أخرى خلصت فيه إلى أن هذا المعنى أوسع من أن نحصره في الرقة والجمال، بل إن مفرداته تتلاقى مع معنى الصلاح المراد شرعا، ولا شيء في ذلك يتنافى مع العلم، أو يفترض أن تتبرأ منه كي تكتمل أنوثتها، بل على العكس، فإن العلم مما يكمل أنوثتها. فالمرأة، بما حباها الله، تستطيع أن تكون عالمة، ومربية، وأنثى بكل تفاصيلها. وقدوتنا أمنا عائشة رضي الله عنها كانت من أعلم الصحابة، وكان الصحابة يرجعون إليها في المسائل الفقهية، فهل انتقص ذلك من أنوثتها؟
أما زعمهم بأن طبيعة العلم تنسجم مع طبيعة الرجولة، وبأن الجدية حكر على الرجال؛ ففيه تسطيح لطبيعة الإنسان؛ لأن العقل، والتجرد، والجدية صفات إنسانية لا اعتبار فيها للتصنيف الجنسي. هناك نساء أكثر جدية وعقلانية من كثير من الرجال، والعكس صحيح، ولا مجال للتعميمات؛ فالواقع يصدقها أو يكذبها.
وقد كنت كتبت من قبل ردا مطولا على من جعلوا طلب العلم مفسدا لأخلاق المرأة، لمن أراد العودة إليه، وأشرت إلى أن مهمة العلم أن يزكي الأخلاق، وأن فساد أخلاق بعض طالبات العلم لا يعود بالأساس إلى العلم في حد ذاته، وإنما إلى طبيعة هذه المرأة، وأمراض القلوب التي لا يسلم منها أحد، وما قد تتعرض له من انتكاسات وتسلط من الشيطان، وهي أمور لا يسلم منها طالب العلم الرجل أيضا.
أعود فأقول:
المرأة قادرة على الجمع بين العلم ورعاية بيتها. والعالمة قد تكون أما أكثر وعيا، وزوجة أكثر رقة وحكمة، وإنسانا أكثر توازنا. وليس العلم هو ما يفقدها أنوثتها، وإنما الفكر المشوه الذي يضيق عليها خياراتها، ويضعها في قالب واحد لا يسمح لها بالنمو، لا فكريا ولا إنسانيا. فالمرأة لا يجب أن نطالبها بالمفاضلة بين عقلها وأنوثتها؛ لأن كليهما منحة من الله، وكلاهما يكتمل حينما يوجه إلى الغاية التي خلقه الله لها.