صديقتي تهوى القراءة، لكنها تقرأ فقط ما تريد، وتختزِل قراءتها إلى ما وراء السطور، فتتلذَّذ بنفض الحرف من محتواه، وإلباسه ما تودُّ عيناها أن تراه.

صديقتي تتلمَّظ بالحُكْم على مَن حولها، وتقضي وقتها حاملة سيفها، تُصارِع طواحين الهواء، تُطيح بمن خالَفها، وتَحفِر الخنادق لمن حاوَرَها، وتنتشي المسكينة بالانتصار.

صديقتي تُطِل عليَّ بوصفاتها لإنقاذ نفسي - زعمتْ - من الرَّتَابة، وحرفي من الإثارة والكآبة، تَشجب قَصِّي الحزين، وتَجلِد حِسي بسياطِ انتقادها العاتية، وحينما أُلزِمها بقولها، تُخبِرني أنها ليست “فاضية” لتُتابِع أحوالي ولا كتاباتي، فمن أين لها يا تُرى بنبأ حرفي الضال الغَويِّ، وحزن قلبي الدَّفين؟

صديقتي كالزئبق، لا تختلِط أفكارُها بتجارِب الآخَرين، فقوة تَمسُّكها برأيها - ولو كان خطئًا - أكبرُ من قوة الْتصاق الحق بأذنيها، وكلامها كقطعة صابون في اليد المبللة، كلما أردتَ الإمساك بخيطه، تَزحلَق بين يديك.

صديقتي لبِستْ عباءة الزهد، فرأتِ الإسراف في الملبَس الجميل والمنطق الجميل، واعتادت على الاعتداد برأيها، وربما على تصفيقِ مَن حولها، فصار كل من لا يرى الدنيا من نورِ عينيها فاشلاً أو تافِهًا، أو لربما مارقًا يستحقُّ الجلد والتعزير.

صديقتي تَكره كلَّ جديد، تحب التقليد والتَّبَعية، و”التقولب” والنمطية، وتكره بحنق “التوحُّد” والتفرد والتمرد، وترى في التغيير “تنحُّلاً”، وفي الإبداع تلوُّنًا، وفي التمرد والكتابة ربما خروجًا عن الدين.

ترى في الأدب ضياعَ وقتٍ، وفي الفن طيشًا، وفي الشعر غَواية، وفي علوم النفس قدْحًا في التوكل، وفي نفْث الوجع قلةَ إيمانٍ بالقَدَر.

صعِد الناس الأدراج، واعتلى بعضهم الأبراج، وصديقتي ما زالت تبحث في كلامي عن نقطة سقطتْ سهوًا من التاء أو من الخاء، وما زالت تُحاول إلزامي بما تراه، وتحاول فرْضَ وصايتها عليَّ رغم بلوغي سنّ الرشد.

صديقتي حَمَلت على كاهلها نُصْحَ الكون، وصلاح القوم.

أشبعتني “نصحًا”، فأرهقتُها إصرارًا واستقلالاً وعِصيانًا، ونبوتُ عليها، وأبتْ عليَّ نفسي المتمردة “التنمُّط” و”التقولب”.

تعِبت صديقتي من نُصحي، فاتخذتْ لنفسها الأعذار، وبرَّأت ذمة نفسها أمام نفسها، واتهمتني سرًّا بالمروق والتلون والتنحل والغَواية، ولربما بالتعصب والغباء.